عبد الله بن أحمد النسفي
141
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 14 إلى 16 ] ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ ( 14 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ ( 15 ) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 16 ) مبتدأ خبره بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي ذلك العقاب وقع عليهم بسبب مشاقّتهم ، أي مخالفتهم ، وهي مشتقة من الشّقّ لأنّ كلا المتعاديين في شقّ خلاف شقّ صاحبه ، وكذا المعاداة والمخاصمة لأنّ هذا في عدوة وخصم « 1 » أي جانب وذاك في عدوة وخصم وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ والكاف في ذلك لخطاب الرسول ، أو لكلّ أحد . 14 - وفي ذلِكُمْ للكفرة على طريقة الالتفات ، ومحلّه الرفع على ذلكم العقاب أو العقاب ذلكم فَذُوقُوهُ « 2 » والواو في وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ بمعنى مع ، أي ذوقوا هذا العذاب العاجل مع الآجل الذي لكم في الآخرة ، فوضع الظاهر موضع الضمير . 15 - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً حال من الذين كفروا . والزحف الجيش الذي يرى لكثرته كأنه يزحف ، أي يدبّ دبيبا من زحف الصبيّ إذا دبّ على استه قليلا قليلا ، سمّي بالمصدر فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ فلا تنصرفوا عنهم منهزمين ، أي إذا لقيتموهم للقتال وهم كثير وأنتم قليل فلا تفروا ، فضلا أن تدانوهم في العدد أو تساووهم ، أو حال من المؤمنين أو من الفريقين ، أي إذا لقيتموهم متزاحفين هم وأنتم . 16 - وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً مائلا لِقِتالٍ هو الكرّ بعد الفرّ يخيّل عدوّه أنه منهزم ثم يعطف عليه ، وهو من خدع الحرب أَوْ مُتَحَيِّزاً منضما إِلى فِئَةٍ إلى جماعة من المسلمين سوى الفئة التي هو فيها ، وهما حالان من ضمير الفاعل في يولّهم فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ووزن متحيز متفيعل لا متفعّل لأنه من حاز يحوز فبناء متفعل منه متحوّز .
--> ( 1 ) عدوة بالكسر والضم المكان المرتفع ( القاموس 4 / 360 ) ، والخصم بالضم الجانب والزاوية والناحية ( القاموس 4 / 107 ) . ( 2 ) أعدنا تقسيم الآية كما في ( أ ) .